الروايــة العـــربية والنثرية العـــربية
الفنون الأدبية - القصة والرواية
الخميس, 04 فبراير 2010 14:47
الروايــة العـــربية والنثرية العـــربية:
مساهمة في إبراز دور محفوظ
في تطور اللغة والشكل في الرواية العربية
إهداء إلى روح أستاذي المرحوم
أ. د. عز الدين إسماعيل
في ذكرى رحيله الثانية..
محبة وتقديرا.
أ. د. محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم

أستاذ النقد وتحليل الخطاب

نائب رئيس جامعة نواكشوط

(ألقي هذا البحث في المؤتمر العام للاتحاد العام للكتاب والادباء العرب في الندوة المخصصة لنجيب محفوظ – القاهرة 2007)
0.0
- يسعى هذا الحث في مقاصده البحثية والمنهجية إلى إضاءة جوانب محددة من علاقة الرواية العربية بالنثرية العربية؛ تتعلق بتاريخ الظهور والتشكل؛ وهي العلاقة التي مازالت في نظرها تحتاج إلى مزيد من الإضاءة؛ تعميقا لوعي نقدي عربي بدأت ملامحه تتشكل في الساحة النقدية العربية في العقد الأخير من القرن العشرين؛ - يتبنى السرديات منهجا للمقاربة والتأريخ للأنواع والأشكال في السردية العربية. وذلك إسهاما منا في تجذير السرديات العربية، باعتبارها خيارا منهجيا لمقاربة السرد العربي والتأريخ له وهو خيار ينوع من نظرتنا إلى السرد العربي وأشكال كتابته بصفة عامة؛ ويعمق من وعينا الإبداعي بالرواية العربية وصيغ تشكل كتابتها بصفة خاصة.
ولاشك أن ما عرفه النقد العربي الحديث في السنوات الأخيرة من تطور على مستوى النظرية والمنهج  والتفكير يبين درجة من النضج لا في استيعاب المناهج النقدية باطروحاتها المتعددة، فحسب، وإنما أيضا في مستوى تعامل النقاد مع الموضوع؛ وإكسابهم ذهنية نقدية أكثر تحررا من سلطة التنظير النقدي الغربي المدرسي؛ وأقدر على تطبيقات المناهج التي يختارونها؛ وفقا لرؤيتهم النقدية الخاصة؛ وقد كان حظ الشعرية وتطبيقاتها من هذا الوعي والممارسة بارزا حيث برزت أسماء مؤسسة لهذا المنهج وتطبيقاته في التجربة العربية؛ كان لها الدور الرائد في تكوين جيل من النقد الشباب في أغلب الجامعات العربية الممارسين والمتبنين لخيار الشعرية منهجا ومقاربة؛ وخاصة السرديات منها؛ حيث حظي السرد وأشكاله بالدراسة والتنظير وأنجزت في هذا المجال أطروحات جامعية مؤسسة وأعدت دراسات مهمة وألفت كتب عمدة وانتظمت ندوات أساسية ونشرت بحوث قيمة، هذه الجهود كلها كانت الحاضنة المعرفية والمنهجية؛ التي أدت إلى ظهور السرديات العربية وتطبيقاتها المنهجية.
1.0- في أفق هذا التوجه يأتي هذا البحث لينظر إلى الرواية العربية في علاقتها بالنثرية العربية؛ من زاوية محددة تتعلق بتطور اللغة والشكل في الرواية العربية؛ متخذين من نتاج محفوظ عينة على هذا التطور؛ منطلقين في هذا الجهد من السرديات الوصفية والتاريخية خيارا للمقاربة والتحليل. وننطلق في هذا الجهد من فكرة مؤسسة لأطروحته، مؤداها أن أشكال الكتابة عامة؛ لا تظهر إلا في سياق هيمنة نثرية معينة؛ إذ أن تداول هذه النثرية ومستويات تكثيفها وتطويعها للنثر، هو الذي يؤدي إلى ظهور أشكال كتابتها وتكريس سلطتها، وغياب أواختفاء أشكال كتابة النثرية التي قامت على أنقاضها. ذلك أننا – وكما أبنا في ذلك في بحوث سابقة[1]- نفترض أن هيمنة أشكال الكتابة السردية الحديثة على أشكال الكتابة الإبداعية العربية، إلى بداية السبعينيات من القرن الشعرين وتعدد أشكال كتابة النثرية الحديثة، إنما كان نتيجة لانحسار النثرية العربية التراثية بأنساقها اللسانية النثرية وأساليب إبانتها وطرق تحقق مجازاتها في وجه مد النثرية العربية الحديثة وبلاغتها "وتراجعها إلى مواقع خلفية، فرضها عليها مسار تحديث المجتمعات العربية، وموقع تبعيتها للآخر لاحقا"[2].
2.0- فكان من نتائج ذلك على المستوى الأدبي، تراجع النثرية التراثية بأنساقها اللسانية وأشكال كتابتها إلى مواقع خلفية في الإبداع والثقافة. وهي السمة الخطابية التي عرفتها النثرية العربية في المجتمعات العربية في أمكنة وأزمنة متفاوتة في تقادمها. إذ يمكن أن نلاحظ هنا أن كلا من هذه المجتمعات العربية- وخلال فترة تحديثها- "قد عرفت هذا الانزياح التدريجي للنثرية التراثية إلى مواقع خلفية، تاركة الموقع الأمامي لنثرية عربية حديثة، ومكتفية بدرجات من الحضور متفاوتة في النثرية الأدبية لهذه المجتمعات"[3].
3.0- هذا الانزياح على مستوى النثرية- هو الذي يفسر- في نظرنا- ظهور الأشكال السردية الحديثة في المجتمعات العربية، وخاصة الرواية منها، عبر زمنية متفاوتة، كما يفسر تأخر ظهورها في البعض الأخر. وهي الأشكال السردية التي بدأت في الظهور منذ بداية القرن العشرين في بعض هذه المجتمعات، نتيجة لهيمنة النثرية العربية الحديثة وتجذر أنساقها اللسانية والفكرية في هذه المجتمعات، وتراجع سلطة النثرية التراثية وأشكال كتابتها السردية. ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ ظهور الأشكال السردية في الإبداع العربي من هذا المنظور الذي يعول في تأريخه لأشكال الكتابة الإبداعية –على اللغة وأنماط تطويع نثرها وصيغ تشكل كتابتها وطرائق إبانتها ومستوياتها ودرجة شعريتها؛ على المتغير اللغوي وطرائق تداوله في المجتمع ودرجات تكثيفه؛ لا على المغير الاجتماعي ذاته ولحظات تحوله؛ وما ينشأ عن ذلك من تحولات أدبية وثقافية نظّر لها الدرس النقدي الاجتماعي، ووعول عليها أصحاب البنيوية التكوينية. في بسط أطروحتهم النقدية وفي تفسير ارتباط ظهور الرواية والأشكال السردية الأخرى باللغة والشكل كمعزز لتفسيراتهم الاجتماعية للأدب وأشكاله. ولئن ظل الولاء لهذا الطرح سائدا في بعض الأوساط الجامعية العربية نتيجة لتدريس مناهج وأطروحات نقدية مدرسية تجاوزها التنظير النقدي –  فإن منظورا آخر لظهور الرواية العربة وعوامل نشأتها وتشكل خطابها؛ بدأ يأخذ حظه من التلقي والولاء في هذه الأوساط.

1-النثرية العربية ونظام تبادل المواقع:
ميز المنشغلون بدراسة السردية العربية بين مكونين من مكونات النثرية العربية هما النثرية: تراثية والنثرية الحديثة لكل منهما أشكالها السردية، وتتحدد النثرية هنا بأنها "فعل الكتابة الحاصل بتطويع النثر العربي الفصيح لغرض كتابي إيداعي وفق شروط الإبانة العربية، وهي بهذا المعنى، فعل لغوي متحقق وفق سياق محدد وعبر نسق لساني متميز ومحدد، ومن هنا جاء ثراء النثرية في اللسان العربي"[4].
1.1- ومن أهم الدراسات التي ربطت بين اشكال السردية العربية وتطور النثر العربي جهود كل من د. عبد الفتاح كيليطو في كتابه "المقامات"[5] ود. عبد الله إبراهيم في كتابيه "السردية العربية"[6] و"السردية العربية الحديثة"[7]، حيث بينت هذه الجهود تطور النثر العربي منذ عصوره القديمة واحتضان النثرية العربية التراثية لأشكال من السرد التراثي في نهاية القرن التاسع عشر نتيجة لهيمنة الأنساق اللسانية التراثية وأساليب إبانتها وبلاغتها في القول، وهو الاحتضان الذي أظهر "هيمنة للذائقة التقليدية وتقريظ أسلوب أدبي يندمج في سياق الامتثال لسطوة تكل الهيمنة"[8]. وقد استمر تطوير هذا الخط من الكتابة السردية مع محاولات المصريين في بعث "المقامة" وتجذير كتابتها سرديا، كما بين ذلك محمد يوسف نجم، حين "حاولوا بعث المقامة مجددا (كما حاولوا بعث الشعر التقليدي)، في "ثوب قشيب لاءم روح العصر إلى حد كبير"[9]. كما ظهر ذلك عند المويحلي في "حديث عسى بن هشام" وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح"، ومحمد جمعة في "ليالي الروح الحائر" وغير ذلك"[10].
2.1- وإذا كانت هيمنة هذه النثرية التراثية على النثرية الساعية وقتها إلى تحديث أساليب الكتابة العربية- عبر الكتابة الصحفية- قد أنتجت كتابات سردية حديثة تستلهم الأشكال السردية التراثية (الحديث، المقامة) وتجذرها أشكالا سردية حديثة؛ فإن تراجع هذه النثرية إلى مواقع خلفية من الإبداع العربي وتنامي سطوة النثرية العربية الحديثة؛ هو الذي سيؤدي إلى الانكماش التدريجي لهذا النموذج وذلك قبل أن يتقلص دوره "ويتحلل ويتلاشى في النصف الأول من القرن العشرين"[11]، في وجه ظهور أشكال الكتابة السردية الحديثة وخاصة منها الرواية، ومن هنا يمكن القول إن ظهور الرواية العربية الحديثة؛ لم يكن مرتبطا بتحولات اجتماعية وفكرية عرفتها المجتمعات العربية في المشرق مطلع القرن العشرين فحسب، بقدر ما كان أولا وقيل كل شيء تحولا في النثرية العربية وأساليب كتابتها الإبداعية، اقتضتهما مقامات القول الإبداعي الجديد؛ نتيجة لهيمنة النثرية العربية الحديثة على النثرية العربية التراثية؛ وهي الهيمنة التي ستتراجع معها النثرية التراثية وأشكال كتابتها السردية إلى مواقع خلفية من الإبداع العربي؛ تاركة لأشكال النثرية العربية الحديثة سلطة الفعل في الكتابة السردية العربية الحديثة وهي السلطة التي بلغت كبرى درجات تجليها بظهور الرواية العربية الحديثة مع جيل الرواد الأول قبل أن تتجذر في الإبداع العربي بكتابة رواية التاريخية فالاجتماعية النقدية فالذهنية مع نجيب محفوظ وجيله من الكتاب الروائيين العرب. حيث أخذت مستويات من الشعرية أغنت الكتابة الرواية العربية ونوعت من مصادر إبداعها مع منتصف الستينيات من القرن العشرين.
3.1- والذي يبدو لنا؛ أن ظهور الرواية العربية الحديثة وتجذر شكلها السردي في الكتابة العربية الحديثة كان إلى حد كبير مرتبطا بتغير مكونات النثرية العربية ونظام تبادل المواقع فيها؛ فقد لاحظنا أن هيمنة النثرية العربية التراثية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على جهود تحديث النثرية العربية- هو الذي أدى إلى ظهور أشكال السرد التراثي في الكتابة العربية؛ وهي السلطة التي ستتراجع ببلوغ جهود التحديث أوج مدها في الربع الأول من القرن العشرين؛ وبهيمنة النثرية العربية الحديثة على النثرية العربية التراثية.
4.1- وبهذا يمكن القول إن ظهور الرواية العربية كان تحولا في النثرية العربية، ونظام تبادل المواقع فيها؛ وهو ما يفسر-في نظرنا- هذا الأرتباط في تاريخ السردية العربية، بين هيمنة نثرية وتراجع أخرى وظهور أشكال سردية واختفاء أو تراجع أخرى؛ وهي السمة الشعرية التي حددت إلى حد كبير تاريخ ظهور الأشكال السردية أو اختفائها وتراجع سلطتها، في السرد العربي الحديث؛ لذلك يمكن أن نلاحظ هنا في تاريخ السرد؛ العربي المعاصر؛ تلك العودة القوية لأشكال السرد التراثي حينما بدأ يتشرب خطاب الرواية أنساقهم السردية مع بداية سبعينيات القرن العشرين؛ في ما عرف برواية التراث؛ ولم يكن ذلك إلا نتيجة للحضور المتزايد لسلطة النثرية التراثية واستيعاب خطاب الرواية لها؛ على يد روائيين من أمثال محمود المسعدي؛ وجمال الغيطاني وغيرهما.

2- النص الروائي والنثرية العربية:
مثل ظهور الرواية في السردية العربية مرحلة مهمة من تاريخ تطور الكتابة الإبداعية العربية- فبها أختبر الروائي العربي مساحات من الكتابة لم يكن ليصل إليها؛ لولا الإمكانات الإبداعية التي يتيحها الخطاب الروائي؛ وهي إمكانات نابعة من اللغة بالأساس باعتبارها أداة للتواصل والبوح والتخاطب ومادة غنية لتشكل الكتابة والخلق الفني؛ ومن هنا كان النص الروائي دون غيره من الأشكال السردية- أكثر الأشكال الأدبية انفتاحا على البنية الاجتماعية الحديثة والتكوينات الاجتماعية التقليدية نظرا للصلة الشعرية القوية التي تربط خطاب الرواية باللغة. وهي الصلة التي ركز عليها نقاد ومنظرو الرواية؛ بداية من باخثين فكولد مان فبيرزييما؛ حين كان الاهتمام باللغة ومستوياتها في النص الروائي؛ هو المشغل الأساسي لأي تنظير أو مقاربة.
1.2- إن الصلة ما بين الرواية واللغة صلة قوية وقائمة لا على مستوى البنية الروائية وقدرة الخطاب الروائي على احتواء وتشرب مستويات اللغة بمختلف خطاباتها فحسب؛ وإنما أيضا - وهذا هو الأهم- في تاريخ التشكل وأسباب الظهور؛ إذ أن ظهور النص الروائي في مجتمع من المجتمعات كان دائما مرتبطا بمستويات كثافة النثرية وهيمنة مكون من مكوناتها وقدرته على استيعاب الأنساق السردية؛ كما أن تطور الخطاب الروائي وتجدده كان يأتي دوما من جهود الكتاب والروائيين المتميزين؛ الذين يتركون بصماتهم الفنية في تاريخ تشكل الرواية في مجتمع من المجتمعات؛ مثل ما هو الحال بالنسبة لنجيب محفوظ في الرواية العربية؛ حيث مثل هذا الروائي نموذجا عربيا، ترك بصماته الفنية في تاريخ الرواية العربية؛ انتقلت بها الكتابة الروائية العربية في كل مرة من مراحل تطورها إلى لحظة أخرى من تاريخ تشكل الخطاب الروائي العربي؛ وقد تعدد هذا الفعل والإنجاز الإبداعي لفترة ناهزت الثلاثين عاما؛ إلى درجة أصبح معها ينظر إلى هذا الروائي المتميز وقتها، بأنه عقبة كأداء في وجه كل روائي عربي يريد أن يتميز ويضيف إلى الرواية العربية بصمة جديدة.

3- محفوظ والنثرية العربية:
يتحدد انجاز محفوظ، بشيء من الإيجاز المخل- في الرواية العربية؛ في أنه كان أحد الكتاب والروائيين العرب؛ الذين طوعوا النثر العربي؛ لأغراض إبداعية، وساهموا في تدعيم سلطة النثرية العربية الحديثة في الكتابة السردية العربية الحديثة؛ وعملوا على تشرب هذه النثرية ببلاغتها الحديثة للسرد وأشكاله؛ خاصة منها الرواية؛ حيث كانت تجربة الكتابة عند محفوظ عينة فنية متميزة ونادرة على مراحل تطور الرواية العربية؛ فقد رافقت كتابة الرواية عند محفوظ مختلف لحظات التطور والتشكل الفني للنص الروائي العربي إلى درجة يمكن القول معها، إنما عرفه النص الروائي العربي في مصر من تطور فني منذ منتصف الثلاثينيات إلى منتصف الستينيات على يد نجيب محفوظ، كان العينة والنموذج النصي؛ لانتقال الخطاب الروائي العربي من لحظة فنية إلى أخرى؛ من لحظة انجاز ما سمي في تاريخ السرد العربي بالرواية التاريخية فالواقعية النقدية فالرواية الذهنية وهي اللحظات التي رصدها مؤرخو السرد العربي والمشتغلون بالشعرية العربية وبالسرديات التاريخية منها خاصة- انطلاقا من مدونة محفوظ الروائية؛ بشيء من التتبع والتمفصل الفني يقيم شبه تطابق ما بين تطور الرواية العربية ولحظات تشكل خطابها وبين تطور الكتابة الروائية عند محفوظ وأزمنة انتقاله من نسق سردي إلى آخر؛ وهذا -في نظرنا- هو المظهر الفني الشعري المجسد للمقولة القديمة الجديدة؛ القائلة بأن محفوظ كان عقبة كأداء في وجه ظهور روائيين جدد إلى أن "انفرط العقد المقدس"[12] نهاية الستينيات؛ ودخلت الرواية العربية لحظة أخرى من لحظات تشكل خطابها؛ على يد روائيين جدد.
1.3- هذا التطابق ما بين تطور الرواية العربية وتطور الكتابة الروائية عند محفوظ على مستوى الانجاز؛ كان نابعا في نظرنا من سمة فنية لازمت الكتابة الروائية عند محفوظ؛ وكانت في ذات الوقت الخاصية الشعرية؛ التي دعمت باستمرار سلطة النثرية العربية الحديثة، هذه السمة هي الاشتغال باللغة كمقوم أساسي من مقومات شعرية الرواية؛ فقد انتبه نجيب محفوظ في بداية كتابته السردية إلى أن اللغة مقوم فني أساسي من مقومات الخطاب الروائي؛ وأن الرواية إبداع تخييلي يتوسل باللغة؛ ولأن خبرة محفوظ بالنثرية العربية وتمكنه من أنساقها اللسانية كانت عميقة فقد أتاحت له هذه الخبرة؛ القدرة على الاشتغال باللغة بمستوياتها المتعددة؛ فكانت هذه الخاصية الأسلوبية عند محفوظ السمة الفنية التي لازمت التطور السردي عنده، وعملت على إبراز دوره المتميز في تدعيم النثرية العربية الحديثة؛ من منطلق إبداعي تخييلي هذه المرة. فإذا كانت هذه النثرية قد عرفت مع منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين تطورا نثريا ملحوظا تمثل في تطويع النثر العربي الفصيح بمستويات متعددة ساهم فيها تطور الصحافة والنشر؛ فإن مستويات التطويع الفني والإبداعي لهذا النثر في الكتابة السردية وقتها، كان له الدور الأساسي في تطوير النثرية العربية الحديثة وتدعيم بلاغتها؛ فقد ساهم الكتاب والروائيون العرب حينها في تكريس سلطة هذه النثرية كل من موقع خبرته باللغة العربية وتمكنه من أساليبها البلاغية وامتلاكه لمدلولاتها.
2.3- وقد كان دور محفوظ في هذا المجال أساسيا نظرا للأسباب التي ذكرنا سابقا؛ فكان التطوير السردي للكتابة الروائية نابعا من وعيه الروائي بأهمية شعرية اللغة ودورها في تشكل الخطاب الروائي؛ لذلك واكبت لغة محفوظ مراحل تطور الكتابة لديه؛ لأنها كانت الأساس الذي تم من خلاله التطور الفني؛ والوسيلة التي حققت ذلك. لقد كان الاشتغال باللغة كمكون أساسي من مكونات الخطاب الروائي السمة البارزة في المنجزالسردي لمحفوظ؛ وتمكن ملاحظة هذه السمة في مظهرين أساسيين طبعا الكتابة السردية عند محفوظ وعملا على تطور شعرية النص الروائي العربي وإثراء النثرية العربية الحديثة لاحقا:
1.2.3- يتمثل الأول منهما في انفتاح اللغة الروائية على المنطوق الاجتماعي والثقافي للمجتمع المصري؛ بطبقاته وفيئاته وتكويناته الاجتماعية المختلفة؛ فقد كان المتكلم في الرواية متعددا بتعدد ألسنته ولهجاته ولغاته الاجتماعية؛ وهي التعددية اللغوية: التي حافظ فيها نجيب محفوظ على بلاغة اللسان العربي؛ فكانت كل شخصية تتكلم من موقعها الاجتماعي أو المهني؛ فيأتي المنطوق الروائي معبرا عن حرارة التجربة الاجتماعية في تجليها اللساني وانجازها التلفظي، ولكن بما هي عربية هذه المرة؛ أي أن ارتباط محفوظ بلغة ولسان المتكلم في الرواية لم يخرجه في أغلب الأحوال عن أسلوب اللسان العربي وشروط إبانة الفصحى؛ فجاءت رواياته متسمة بتعددية في مستويات اللغة؛ بتعدد المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري؛ ولكن بما هو عربي؛ ولم يكن الميل إلى العامية في أغلب النصوص الروائية عنده إلا في حالات التماهي اللساني والبلاغي أحيانا بين العامية والفصحى؛ وهي ظاهرة لسانية لغوية قد لا يدركها إلا من كانت له خبرة لغوية ومعرفة لسانية عميقة بالأنساق اللسانية للهجة المصرية وطرائق انجازها وطرق التلفظ بها.
2.2.3- المظهر الثاني الذي طبع الكتابة الروائية عند محفوظ هو تعدد الأنساق اللسانية وثراءها؛ فقد اتسمت النثرية السردية عند محفوظ بتعدد الأنساق اللسانية وتنوعها؛ نتيجة لامتلاكه لهذه الأنساق وتمكنه من الأساليب العربية؛ وتمكن ملاحظة هذا التعدد في الأنساق اللسانية وتنوع مصادرها؛ في الكتابة الروائية عند محفوظ من خلال تطور المنجز السردي لديه؛ فقد واكب اللفظ المعنى عند محفوظ؛ ففي كل مرة من لحظات تطور النص السردي عنده؛ كانت الألفاظ والأساليب تأتي نابعة من نثرية ذلك التوجه. ففي اللحظة التاريخية؛ جاء النص الروائي منفتحا على النص التاريخي بأنساقه اللسانية، متعالقا مع النثر التاريخي مستفيدا من أساليب النثرية العربية التي وظفت لكتابة التاريخ؛ قريبا من أجوائها ومستويات تكثيفها للحدث التاريخي دون أن يؤثر ذلك على النص الروائي وحينما أنتقل محفوظ في لحظة ثانية من تاريخ تطور الكتابة عنده؛ بكتابته الرواية الواقعية النقدية؛ انفتح النص الروائي لديه على المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري بلغاته ولهجاته المتعددة فكان اختيار المعجم وتلبس اللغة بحرارة المنطوق الاجتماعي بمستوياته المختلفة والمتعددة – المصدر الثاني في إغناء وثراء اللغة الشعرية للرواية عنده وفي انفتاح النثرية العربية وأساليبها على المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري والسير به في خط الحفاظ على الخصوصية المحلية والتعبير عنها بأسلوب عربي مبين؛ دون أن يجذبه هذا التوجه في الكتابة إلى اللجوء إلى العامية والتعبير بأنساقها اللغوية اللهجية ولعل الصدق في التعبير عن هذا التوجه والأمانة في نقل شعريته إلى خطاب الرواية هو الذي ميز الكتابة الاجتماعية النقدية عند محفوظ وأوصلها إلى مساحات من التلقي المشترك؛ ساهمت- في نظرنا- في الارتقاء به إلى مصاف الكتاب والروائيين الكبار؛ الذين استحقوا التكريم والفوز بجوائز عالمية كجائزة نوبل للآداب التي حصل عليها.
وعند ما انتقل محفوظ في لحظة تالية إلى الرواية الذهنية؛ انفتح النسق اللساني والأسلوب اللغوي وأشكال التعبير لديه على النثرية العربية المرتبطة في تاريخ النثر العربي؛ بالتأمل والتفكير وأساليب التجريب والتجريد؛ وهي تقاليد من القول خبرتها النثرية العربية ولعل إنشغال محفوظ المبكر بالفلسفة والفكر والتأمل وتكوينه الفلسفي؛ هي الروافد الأساسية لانفتاح نثريته السردية في روايات هذه المرحلة على الأنساق اللسانية لهذه النثرية وتوظيفها إبداعيا، ومن هنا جاء ثراء اللغة والتراكيب في هذه الروايات؛ وقدرتها التعبيرية على تكثيف المتخيل السردي للرواية الذهنية والقدرة على تركيب مجازاتها وإنتاج دلالاتها النصية وانفتاحها على التأويل والتلقي.
إن انفتاح اللغة على المنطوق الاجتماعي وتعدد أنساقها اللسانية وتنوع مصادر إنتاجها عند محفوظ هي العوامل التي ميزت الكتابة السردية والمنجز النصي عنده؛ وهي السمة الشعرية التي عملت على تجدد الكتابة السردية لديه ولازمت تطويعه للنثر العربي؛ فكان بذلك أحد أهم الكتاب العرب الذين جذروا الرواية في النثرية العربية ولاأموا شكلها السردي مع بلاغة الكتابة العربية وعبقرية أنساقها اللسانية.


[1]من البحوث التي نشرت وتمكن العودة إليها الكتب التالية:
- بنية الخطاب ودلالتها في رواية القبر المجهول أو الأصول: مساهمة في الكشف عن خصوصية السرد الموريتاني، تقديم د. سعيد يقطين، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1999.
- الشعرية التاريخية وأدبية الأدب الموريتاني: قراءة لظهور الأنواع والأشكال، تقديم، د.محسن جاسم الموسوي، دار الأمين القاهرة 2001.
- شعرية رواية الصحراء: مساهمة في وصف شعرية رواية الصحراء والنصوص الخلفية المشكلة لها (النص الموريتاني نموذجا). الكتاب الفائر بجائزة شنقيط للآداب والفنون لعام 2004 الجائزة التقديرية للدولة الموريتانية. يصدر قريبا عن دار الأمان، الرباط.
[2] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم: بنية الخطاب ودلالتها في رواية القبر المجهول، مرجع مذكور سابقا، ص: 58.
[3] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم، المرجع السابق، ص:58.
[4] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم، الشعرية التاريخية وأدبية الأدب الموريتاني: قراءة لظهور الأنواع والأشكال، مرجع مذكور سابقا، ص: 77.
[5] عبد الفتاح كيليطو: المقامات: السرد والأنساق الثقافية. ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال، الدار البيضاء، 1993.
[6] عبد الله إبراهيم: السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي. المركز الثقافي العربي بيروت، 1992.
[7]عبد الله إبراهيم: السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعاري وإعادة تأسيس النشأة؛ المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، 2003.
[8] عبد الله إبراهيم، المرجع السابق، ص: 107.
[9] محمد يوسف نجم. القصة في الأدب العربي، ص:12-13. نقلا عن عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، المرجع السابق، ص: 113.
[10] عبد الله إبراهيم، المرجع السابق، ص: 114.
[11] عبد الله إبراهيم السردية العربية الحديثة، مرجع سابق، ص: 107.
[12] انفراط العقد المقدس: كتاب لمحسن جاسم الموسوي يؤرخ لتطور الرواية العربية، منشورات الهيأة المصرية للكتاب، القاهرة، 1999.
للكاتب أيضا:
آخر تحديث: الأربعاء, 04 أغسطس 2010 11:12

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

فيديو